Sunday, November 06, 2005

هي والحرب




هي والحرب
-1- 


لم تكن قد تجاوزت الشهر الرابع أو الخامس من عمرها , حين التقينا بها لأول مرة في الحديقة الخلفية للدار. كانت صغيرة جدا , لا يبدو منها سوى عينيها الخضراوتين الواسعتين الخائفتين - وهي مختبئة بين الأشجار تحت كومة كبيرة من ألأغصان اليابسة . نظرت إلينا بحذر وتوجس وهربت بعيدأ ......ألأ أن عينيها الجميلتين كانتا تلمعان كمصباحين من تحت الكومه .
في اليوم التالي خرجت ضحآ لأنشر الغسيل , وكنت قد نسيت أمرها من شدة التعب والأرهاق-– وفجأة سمعت حركة ألأشجار مصحوبأ بصوت مواء غير بعيد . أستمريت في نشر الغسيل, أذ يجب أن أرتب غرفة الجلوس والنوم والمطبخ,أضافة ألى أعداد الطعام - فأنا اليوم في أجازة من العمل وزوجي سيعود بعد سويعات .
فجأة أحسست بها تنظر لي بترقب ,تخرج وتعود بسرعة وكأنها تريد أن تثيرأنتباهي . ثم بدأت بالمواء وكأن لسان حالها يقول : " أكاد أموت جوعأ ." . أنهيت عملي ودخلت الدار ...... وأذا بها تمشي ببطى ,بتأني , بخوف في عينيها الجميلتين .....نحوي . سكبت بعض الحليب في أناء ووضعته في منتصف الطريق ,ثم عدت الى عملي داخل البيت .
ويومأ بعد يوم أصبحت القطة تنتظرنا في أوقات معينة, كي نعطيها الطعام ,ثم تعودت علينا ونحن نخرج الى الحديقة الخلفية , حتى أنها صارت تلعب معنا , وتأتي مسرعة عندما تسمع الباب يفتح . أحببناها وأحبتنا- لكننا لم نسمح لها بالدخول الى الدار . وفي أحد الأيام بينما كنا نتجاذب أطراف الحديث أنا وزوجي في الحديقة الأمامية ,سمعنا صوتها وفجأة قفزت من فوق السياج وجلست تحت تنظر ألينا بفرح وأنتصار ..... وتمر الأيام وتصبح القطة أليفة جدأ , ولا تغادر الدار - ألأ الى الحديقة الخلفية لتنام فوق سخان الماء بحثأ عن الدفْ في أيام البرد القارصة .
لم يعرف العالم ما يجري في بلد أسمه العراق...... هذا البلد العريق ...الغني بكنوزه الأثرية والطبيعية والبشرية والمادية , قد أبتلي بلعنة أسمها الحكام والسلاطين والرؤساء . فمنذ آلاف السنين وهذا البلد في حروب لا نهاية لها .....ومن جديد دقت الطبول معلنة نذير حرب لا هوادة لها , وأحمرت سماء العاصمة بغداد.....ودوى هدير الأذاعات ومحطات التلفزة وملأت الجرائد صفحاتها بالصور والعناوين المحلية والعربية والأجنبية .....كل الدلائل تشير الى حرب عارمة لم ير التأريخ مثيلأ لها أو بضراوتها , بل وبكثرة أعداد اللذين سيشاركون فيها . .....وحط الطير على رؤس الجميع ,,,, ألى أين المفر في هذه الأيام الباردة من آذار؟.....وبدأ الناس يلوذون بالفرارمن بيوتهم , بحثأ عن مآوى آمن وبقعة بعيدة عن دار السلام - اللتي ضاع منها السلام والأمان وأصبحت ساحة حروب دامية على مر العصور وألأزمان. لم نعد نعرف حساب الزمن فقد بدت الأيام لنا طويلة جدأ......وقصيرة جدأ, سريعة جدأ وبطيئة لا مثيل لبطئها .......كنا في حالة- يصعب وصفها (مما سمعناه وقرأناه ورأيناه )....حالة من الذهول والخوف , من التصديق وعدم التصديق, من الأيمان بالله والقدر والتهيب من مصير غامض ودماء ستراق في كل بقعة من أرض العراق ........وهكذا شد الجميع الرحال الى خارج البلاد.... ونزح عددأ كبيرأ من العوائل ألى المحافظات الأخرى وبدت بغداد الجميلة الزاهية ....مؤلمة, مقفرة , موحشة .... شوارعها فارغة ألأ من عدد قليل من السيارات ,طرقها خاوية ألأ من بعض القطط والكلاب .... أحيائها ساكنة, أزقتها صامتة كصمت الأموات , سمائها حمراء كلون الدم , أختفت البلابل المغردة والعصافيرالجميلة وحلت محلها الغربان تنعق بأصوات باكية ,مخيفة مشؤومة ......رحل الجميع عن بغداد الحبيبة ........
وبقينا نحن هنا لانعرف أين نذهب , خصوصأ أن موقع الدار مقابل أحد القصور التابعة للدكتاتور الطاغية صدام حسين والمشهور بقبته المتلألئةالمضيئة ليل نهار - وكأنك ترى أيلبونتيفكيو من بعيد ...بينما يعم بغداد ظلام أنقطاع الكهرباء.... ورؤسه الضخمة العملاقة فوق أركانهألأربعة....هذا القصر كان أحد المناطق المستهدفة من قبل قوات التحالف - وقد قيل ما قيل من أن صدام حسين سيأوي أليه وربمايهرب من ألأنفاق التي تحته ألى خارج البلاد,,, ومن أن اسلحة الدمار الشامل- قد تكون مخبئة في سراديب وأنفاق تحت هذا القصر الأسطورى الفاره , والذي وصف بالقصر الخرافي, وبما يشبه قصور ألف ليله وليله ......بمقابض أبوابه ,وأعمدته المصنوعه من الذهب الخالص , وبأثاثه الباذخ والذي فاق القصور الشهيره كقصر الأليزيه , والكرملن والفاتيكان ........وووووو.....أذن نحن في قلب الخطر القادم من عبر المحيطات والقارات .....أين المفر ... وهكذا أتفقنا أن أذهب أنا ألى بيت أخي في منطقة زيونه في جانب الرصافة من بغداد , ويذهب زوجي الى بيت أحدىأخواته في محافظة بلد ......على أن يأتي لزيارتي كلما سنحت له الفرصة .....
جاء أخي وأخذني الى بيته ....وما هي ألأ ليلة واحدة , حتى أهتزت بغداد بدوي الصواريخ, من كل حدب وصوب وأشتعلت النيران في كل مكان ..وارتفعت سحب الدخان السوداءالخانقة,تلون السماء بلون الحزن والرعب والشؤم الذي اجتاح القلوب والنفوس....,تمر الساعات طويلة, مرة , مخيفة, موعدة, مرعدة مدوية لا يمكن للكلمات أن تصف لحظة واحدة من عذابها ورهبتها .....ويمر أسبوع وأي أسبوع ...ويأتي الزوج لزيارتنا وأطلب منه أن أذهب الى البيت كي أجلب بعض الملابس واللوازم...خرجنا الى الشارع ..فكانت الصدمة الكبرى...لقد تحولت بغداد الى مدينة أشباح....خاوية ,خالية ,مغبرة ,مظلمة في عز النهار.....وأغرورقت الدموع في عيني ولم اتمالك نفسي فبكيت لما أرى .....ووصلنا الدار... ولم أصدق عيني .....فقد أصبح الدار كألأطلال المهجورة من القصف و شدة العصف ....فتح قيس الباب الخارجية ....نظرت الى الحديقة التي بدت كمصغر سينمائي لساحة حربية فهنا خوذة تحت تلك الشجرة, وهناك سترة لجندي لاذ بالفرارمن هول ما رآئ ..... ها هي الباب الأمامية تتكئ بأنكسار على جانب من الحائط....دخلنا الدار..... زجاج الشبابيك المكسوريملئ الأرض ....الشظايا في كل مكان....فوق الأريكة...على الطاولة.....لم أستطع تحمل المنظر المؤلم ....,....فقد أنقلعت الباب ألحديديةالمطله على الحديقة الخلفية من مكانها ...قال لي زوجي :" لقد جئت أول أمس , وكانت ألأبواب قد أقتلعت من مكانها لكني حاولت جهد ألأمكان أن أصلح ما يمكن أصلاحه كي لا يدخل أحدأ في الدار.." ..وفعلأ نظرت ألى الباب أمامي, فوجدتها مركونه على الحائط, أمسك زوجي الباب ورفعه ودفعه بتأني ...وكانت المفأجأة الكبرى : عندما سمعنا صوتأخافتأ وأنينأ ضعيفأ - " يا ألهي ,من يا ترى يكون هذا ." قلت في نفسي وأنا أتوجس شرأ....وما أن أنفتحت ألباب قليلأ حتى رأيناهاواقفة , ترتجف خوفأ وهلعأ وتنظر لكلينا بنظرة ملؤها الأسى , وكان صوتها الجميل قد غاب تمامأ ,لم يبق منه سوى همسأ باكيأ , كان موائها ذا نغمة شجيه ,شديده الحزن , وكأنها تشكي لنا ما أصابها أثناء غيابنا..وكأنها تقول لنا :" كيف تتركوني وحدي هنا , أترون ما حدث لي , لم أعد قادرة على الكلام .أكاد أموت خوفأ وجوعأ ........" . لم تعد قادره على المواء ....وكانت عينيها مغرورقتان بدموع لم يسبق لنا أن رأيناه سابقأ من قبل حيوان ..وكانت قد أصبحت نحيلة جدأ ولم تعد تقوى على الحركه ....ولم نشعر ألأ والدموع في عينينا ...قلت لزوجي , وأنا أبكي على هذه القطه اللتي لا حول لها ولا قوة : " الله أكبر ....يا ألهي , حتى هذه القطة المسكينة لم تنجوا من ظلم صدام حسين . " عدت ثانية الى الداخل وجدت بعض الحليب في الثلاجه , لم يزل طازجأ.. سكبته في أناء , ووجدت بعض الكعك ,أضفت أليه قليلأ من الحليب في أناء آخر ووضعته أمامها ...أ خذت المسكينه تلتهمه ألتهامأ من شدة الجوع , وبينما نحن ننظر أليها أحمرت السماء أرتجت الأرض من حولنا , ودوت أصوات الصواريخ , منيرة السماء فوق رؤسنا , وأمطرت القنابل والهاونات والمدافع وتناثرت فوق رؤوسنا قطعأ صغيره كأنها نتف قطن نحترق ولم نعد قادرين على البقاء أكثر من ذلك فقد حان الوقت للعودة قبل أن يسقط صاروخأ فوق رؤوسنا .
"هيا بسرعة ." قال قيس .. " ولكن... " قلت." ماذا ؟ " قال لي ... " القطة ... هل سنتركها ستموت هنا ....وفي هذه ألأثناء كانت القطه قد ذعرت من شدة القصف المدفعي وأصوات الصواريخ والنيران الملتهبة في السماء ...أختفت لا نعرف أين . وبسرعة فائقة تركنا الدار عائدين ألى بيت أخي ........ ومرت ثلاث أسابيع من أبطئ , وأطول , وأشد رعبأ ومرارة, وأعنف وأقسى من ما رآى وعاش الشعب العراقي , وخصوصأ في بغداد ,أوشكت الحرب على ألأنتهاء وعدنا ألى بيوتنا واللتي أصبحت خرائب مدمرة ....وبدأنا بالتنظيف والتعميرو تصليح ما بمكن أصلاحه....وبعد أيام سمعت حفيف ألأشجار بينماكنت أزيل بعض ألأنقاض , وحركة سريعه ...ألتفت وأذا بي أرى ألقطة تركض مسرعة نحوي ...كم فرحت لأني لم أكن أتصور أنها ستنجوا من تلك الحرب العارمة.....
والغريب في أمر هذه القطة أنها لم تعد تنسجم مع أي من القطط الأخرى , وهم كثر في منطقتنا وكانوا يدخلون الحدائق كالعادة بلا أستأذان . لكنها كانت ذات شخصية مختلفة وغريبة تمامأ . وكلما حاول أحد القطط التقرب اليها, كانت تزداد نفورأ وأبتعادأ ......كانت تجلس ساعات طوال تنظر الى البعيد وكما يقول زوجي :" من يدري ماذا ترى وبماذا تفكر .. أنظري أليها ...صدقيني أنها ألآن في عالم آخر...لأن عالم القطط لم يعد عالمها..... صارت في عالمنا نحن الأثنين فقط......" وصدق قوله لأنها لم تتآلف حتى مع أي شخص آخر سوانا .....بل كانت تهرب حتى من الزوار والأصدقاء وكل من يدخل البيت . والغريب أنها صارت تأكل الحشائش , ولم تعد تغادر الحديقتين : ألأمامية والخلفيه لدارنا ,وصارت تفهم ما نقول لها : أن تجلس, تذهب هناك,تأتي, تأكل أو لا تأكل .....تتبعنا أن خرجنا ألى مسافة قريبة وكأنها تودعنا ...ثم تعود ...
كانت تحب أن نربت عليها .... كنت أخشى أن أداعبها بيدي , لذلك كان أحدنا يضع قدمه وهو منتعل الحذاء أو الخف ويمرره فوقها ببطئ , فكانت تغمض عينيها وتترك الأمر لنا ..وتتمددعلى ألأرض....تلك كانت أحلى أوقاتها ...

Blog Archive